Loading the player...

منضومة التعايش الاجتماعية بين الاخوة في الدين | الشيخ عبد المهدي الكربلائي

  • جددت المرجعية الدينية العليا- ونظرا لأهمية الموضوع- دعوتها للالتزام بمبادئ التعايش الاجتماعي واساسياته الذي دعا له الاسلام بين جميع الافراد، وينبغي التواضع بين الافراد والالتزام بتعاليم الدين لتقوية لحمة الكيان الاجتماعي بين المؤمنين لمواجهة الازمات، وانه يجب اتباع اسلوب الحوار والابتعاد عن النزاع بينهم.
    جاء خلال الخطبة الثانية من صلاة الجمعة المباركة التي أقيمت في الصحن الحسيني الشريف اليوم (10ربيع الآخر )الموافق لـ (29كانون الثاني 2017م) والتي كانت بإمامة سماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائي (دام عزه) وهذا نصها:
    ايها الاخوة والاخوات ما زلنا في بيان منظومة التعايش الاجتماعي بين الاخوة في الدين.. نحن الذين تربطنا علاقة رابطة الايمان بالله تعالى...
    اقوى الروابط بين ابناء البشر وأهمها هي رابطة الايمان بالله تعالى؛ لأن هذه الرابطة تمثل سر الوجود والغرض من خلق الله تعالى خلقه، لذلك اصبحت من اهم الروابط التي لابد من ان يوضع لها نظام في العلاقات وطبيعة الاواصر، ومتى ما سار عليها الانسان، أمكن ان نقول: إنه قد دخل في ولاية الله تعالى ورسوله والائمة الاطهار ودخل في ولاية الايمان، وقد أطَّرها النظام الاسلامي بإطار الحقوق كما بيّنا سابقاً؛ لأنه يريد ان يعطيها صفة الالزام والقوة، وان من يفوِّتها يفوّت حقاً من الحقوق هو مطالب به، كما في الدائن والمدين الذي هو له حق ما على الآخر ومن حقه ان يطالبه به ومن الحق على ذلك الانسان ان يفي له به، كذلك مسألة العلاقات الاجتماعية بين المؤمنين اتسمت صفة الحق وبالتالي اخذت صفة الالزام.
    نذكر هنا مبادئ العلاقات الاجتماعية والاخلاقيات ونوع المعاشرة والاختلاط التي ينبغي نحن كمؤمنين أن نعمل بها، فمن يدعي الايمان لابد ان يعكس هذا الايمان ولابد ان يكون صادقاً في نوع التعامل الاجتماعي والاخلاقي الذي يتعاطى به مع الاخرين، كما وردت في المنظومة الاسلامية الكثير من الاحاديث التي تبين نوع الحقوق وطبيعة العلاقة والاخلاق التي ينبغي ان تكون بين المؤمنين وهي من الكثرة ما لا تعد ولا تحصى.
    نذكر هنا اساسيات هذه الاخلاق والعلاقات بيننا ولينظر كل انسان منّا ويعرض نفسه على هذه الاخلاق ليعرف كم يملك منها وليختبر نفسه؟ وسنبين الاساسيات التي وردت في احاديث الائمة (عليهم السلام) فحسب ولا نخوض في الفروع..
    وهذه خمس أساسيات على رأسها:
    1- حفظ الشخصية الاعتبارية للمؤمن:
    ان الاسلام حرص على ان يحفظ حياة المؤمن وحرص على السلامة الجسدية وعلى سلامة الشخصية المعنوية له، ويتمثل ذلك في مجموعة من الامور، فهذا الانسان المؤمن طالما دخلتُ معه في ولاية الايمان ينبغي عليَّ أن أجلّه واحترمه، وان احفظ كرامته وان اصون شخصيته من ان التعرض للإذلال والتحقير والتوهين والاعتداء والاتهام وسوء الظن وايقاعه في دائرة الشكوك والشبهات.. فالمؤمن له شخصية اعتبارية باعتبار الايمان، وهذه الشخصية الاعتبارية اراد الله تعالى ان تُصان وتحفظ كما تحفظ حياة الانسان وسلامته الجسدية..
    كما أن الاحترام والاجلال له مراتب بين المؤمنين.. أي أن هناك انساناً يملك مرتبة عادية من الايمان وآخر يملك مرتبة عالية من التقوى والورع والعلم، وآخر له مرتبة مهنية واجتماعية، وهذه المراتب كلها ينبغي ان تأخذ حقها من الاحترام والاجلال..
    فمن الطبيب والأستاذ الجامعي الى المعلم والموظفين في دوائر الدولة أصحاب المكانة الاجتماعية وأصحاب الحرف والمهن الذين لهم دور في تقديم الخدمات لأبناء المجتمع الى افراد العائلة الواحدة من أب وأم وأخوة وأخوات، كل هؤلاء لهم شخصياتهم المعنوية التي يجب أن تحترم وتجلّ وتصان من الازدراء والاحتقار والتعرض لها بأي سوء.
    فأحيانا يكون الانسان من ذوي أحد هذه الاعتبارات والمكانات السابقة في مكان عام، من مقتضى الايمان ان يُظهر له الاجلال والاحترام وان لا يُعرّض امام الاخرين للاستهزاء والسخرية والطعن في شخصيته.
    لذلك ورد عن ابي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: (كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ عَظِّمُوا أَصْحَابَكُمْ وَوَقِّرُوهُمْ وَلا يَتَجَهَّمُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَلا تَضَارُّوا وَلا تَحَاسَدُوا وَإِيَّاكُمْ وَالْبُخْلَ كُونُوا عِبَادَ الله الْمُخْلَصِين)، لذلك ينبغي الالتفات إلى الامور التي تتنافى مع الايمان، من هذه الامور تسقيط شخصية مؤمن معين.
    نحن اليوم نعيش تقدما واسعا في مجال التقنيات الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، وهذا مما قد يستغله البعض في تسقيط بعض الشخصيات أو ازدرائها من خلال الافتراء والتحدث عنه كذبا وزوراً، إذ عند استخدام هذه الوسائل سيصل المراد إيصاله الى ملايين من الناس في غضون لحظات، فليلاحظ كل مؤمن ما قد يسببه من أذى وتوهين للمؤمنين وشخصياتهم المعتبرة عندما يقوم بالنشر في هذه المواقع التواصلية إذ تصل أحيانا الى قتل هذه الشخصيات اعتباريا وهو اشد من القتل الجسدي ، فيكون بذلك قد خالف هذه الرابطة الايمانية.
    إن في الرواية السابقة تنبيهاً على مسألة التكافؤ والمساواة بين المؤمنين، فلا فرق بينهم إلا بالتقوى، وليس من حق الغني أن يحقّر الفقير لكونه فقيرا أو يذله، فهو لديه مقام اجتماعي أو علمي أو غيره خاص به.
    قيمة المؤمن كبيرة عند الله تعالى إذ قال في حديث قدسي (من استذل عبدي المؤمن فقد بارزني) أي دخل في حرب مع الله تعالى، وحديث آخر (من حقر مؤمناً مسكيناً او غير مسكين لم يزل الله حاقراً له ماقتا حتى يرجع).
    2- التراحم بين المؤمنين:
    من اساسيات العلاقة الاجتماعية وغير الاجتماعية هي التراحم بين المؤمنين، فهناك عناوين مهمة اعطاها الاسلام قيمة اجتماعية عظيمة ونحن نعتبرها امراً بسيطاً لا اعتداد به ولا قيمة له، وقد قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) فقد ركز على هذه القيمة الاجتماعية، فهي من الامور المهمة التي اراد ان يغير بها واقع المجتمع العربي وغير العربي لما كان يوجد في تلك المجتمعات من القسوة والغلظة والخشونة فأراد ان يبدلها بالرحمة والرفق التي تنعكس على التعامل الاجتماعي.
    إن للرحمة موارد وأنواعاً متعددة منها الرحمة الاجتماعية والرحمة النفسية، والرحمة الاجتماعية تبدأ بالقلب، وهناك رحمة خاصة بأصحاب الابتلاء الفقراء المرضى الجرحى وأصحاب العلل والعاهات ورحمة الاب بابنه، ورحمة الام بابنها رحمة الطبيب بمريضه ورحمة المعلم والاستاذ بطالبه ورحمة العالم بالجاهل ورحمة الغني بالفقير، تختلف هذه المراتب من الرحمة في الشدة والقوة من وضع الى آخر.
    من هذه الأنواع التي اكد عليها الاسلام الرحمة النفسية، فعندما نرى صاحب هم وكرب أو مشكلة ما من اللازم أن نقوم بمساعدته ليتخلص من همه ويفرج الله عن كربه، فهذا أحد مصاديق الرحمة النفسية والتراحم بين المؤمنين.
    3- التناصر والتعاون بين المؤمنين:
    ويمكن ان نفهم النصرة للمؤمن من الولاية المشتركة بينهما ومن جملة مفردات النصرة عدم تمكين العدو منه ومن ايذاء الاخرين له ونصيحته عند احتياجه خصوصاً اذا وقع الظلم او التجاوز على الاخرين..
    ومن ذلك اذا كان صاحب حق وهو ضعيف لا يقوى على استرداد حقه، فعلى المؤمن أن يبادر وينصره ويعينه حتى يسترد حقّه، ومنه اذا وقع تحت ظلم اجتماعي فيسعى لرفع الظلم والحيف عنه.. فكثيراً ما نجد بنات وقعن تحت ظلم اجتماعي من الاب او الام او العشيرة او من قبل شخص آخر وهنَّ لا يقوينَ على دفع الظلم او الحيف الاجتماعي عنهن، ومنه اذا كان المؤمن في معرض النزاع مع اهل الباطل وكانوا على قوة ومنعة ومكنة، فيجب نصرته باللسان والقوة ولا يترك وحيدا.
    ورد عن الامام علي (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (من حق الاخ على اخيه أن ينصره ظالماً او مظلوماً، فأما نصرته ظالماً فيردُّه عن ظلمه، واما نصرته مظلوماً فيعينه على أخذ حقه).
    والمحصلة ان من صفات المؤمن ان لا يكون غير مبالٍ وغير مهتم ولا يكترث بالمؤمنين، فليس من صفات الايمان ان يكون الانسان غير مبالٍ وغير مهتم ولا ينظر الى احوال الاخرين وما يعانون منه، بل مقتضى الايمان ان يكون المؤمن صاحب همّ لهموم الاخرين ويسعى في نصرتهم واعانتهم والتعاون معهم
    4- التعامل برفق ولين:
    حينما تحصل مشكلة ما أو نزاع اجتماعي فما هو الاسلوب الذي ينبغي للمؤمن ان يتبعه؟ عليه ان يتبّع اسلوب اللين والرفق والحوار الرحمة وهو ما دعا اليه الاسلام ويحاول ان يحل تلك المشكلة بهذا الاسلوب، والسبب ان اسلوب اللين والرفق يدخل من خلاله الشخص الى قلب الاخر وينفتح قلب الاخر ويتقبل منه ويستطيع ان يحل المشكلة والنزاع بشكل أسرع.. فالعنف يؤدي الى مزيد من التعقيد والإشكال في ذلك النزاع وتتفاقم المشكلة ويصبح حل المشكلة اصعب..
    فهناك رفق في نوع التعامل والعلاقة وهناك رفق في الامور الفكرية والتكليفية.. في الامور الفكرية تطرح على المؤمنين ما تتحمله عقولهم وتنجذب اليه نفوسهم وتستوعبه طاقاتهم وامكاناتهم.. ومن ذلك الرفق واللين في الدعوة الى الله تعالى والامر بالمعروف والنهي عن المنكر..
    5- التواصل الاجتماعي في العلاقات وتجنّب التدابر والقطيعة والهجران:
    حث الاسلام كثيراً على ادامة العلاقات الاجتماعية بين المؤمنين والحفاظ على تماسكها وقوتها وعمل جاهداً على ابعاد المجتمع الإيماني عن جميع الامور المؤدية الى ضعف وتفكك الاواصر الاجتماعية فيما بينهم حتى يقوى الكيان الاجتماعي الاسلامي على مواجهة التحديات والمصاعب الداخلية والخارجية..
    ومن ذلك حثّه على التواصل الاجتماعي بين الافراد بالتزاور وتفقد بعضهم بعضاً وعيادة مرضاهم وشهود جنائزهم وعفو بعضهم عن بعض والصفح عن المسيء والتآلف بين قلوبهم والابتعاد عن الهجران والتقاطع والتنازع والعداوة والحسد والبغضاء ونحو ذلك مما له دور خطير في تفكيك الاواصر الاجتماعية..
    يقول الامام الصادق (عليه السلام) في مقام النهي عن الهجران والتباعد والتقاطع بين المؤمنين: (لا يفترق رجلان على الهجران إلا استحق أحدهما البراءة واللعنة وربما استوجب ذلك كلاهما)، فقال له متعب: جعلني الله فداك هذا الظالم، فما بال المظلوم؟ قال: (لأنه لا يدعو أخاه الى صلته ولا يتغامس [أي لا يتغافل ولا يتجاهل] له عن كلامه..).
    لذلك اوصى الائمة (عليهم السلام) بهذه العلاقة الطيبة وعلى قوة الكيان الإيماني بين المؤمنين.

    Category : محاضرات

    #الاجتماعية#العلاقات#اساسيات#الاخلاق#عبد المهدي الكربلائي

arrow_drop_up
View My Stats